ابن ميثم البحراني
275
شرح نهج البلاغة
الموعودة ما هو أشرف وأعلى من هذه الكمالات الحسيّة الفانية ، واعلم أنّ الوصول إلى تلك الكمالات لا يتمّ ولا يتحقّق إلَّا بالإعراض عن هذه فرفض به ما هو أخسّ في جنب ما هو أشرف ولذلك قام صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في العبادة حتّى تورّمت قدماه . فقيل له : يا رسول اللَّه أليس قد بشّرك اللَّه بالجنّة فلم تفعل ذلك قال : أفلا أكون عبدا شكورا . وذلك لعلمه أنّ الاستعداد بالشكر يفيد كمالا أعلى وأزيد ممّا أوتى . وإذا كان حال أشرف الأنبياء وأكملهم كذلك فما ظنّك بسايرهم وحينئذ تعلم أنّ تركهم للدنيا وعدم اشتغالهم بها شرط في بلوغهم درجات الوحي والرسالة وتلقّى أخبار السماء ، وأنّهم لو خلقوا منغمسين في الدنيا وفتحت عليهم أبوابها فاشتغلوا بقيناتها لا نقطعوا إليها عن حضرة جلال اللَّه واضمحلّ بسبب ذلك عنهم الأنباء وانقطع عنهم الوحي وانحطَّوا عن مراتب الرسالة ، وقال بعض الشارحين : أراد باضمحلال الأنباء سقوط الوعد والوعيد والإخبار عن أحوال الجنّة والنار وأحوال القيامة . وهو لازم من لوازم سقوط النبوّة فيكون راجعا إلى ما قلناه . الرابع : ولكان لا يجب للقابلين أجور المبتلين : أي لقابلى كلام الأنبياء لأنّه إذا سقط البلاء عنهم لم يكن لهم أجر المبتلين ، وكذلك لا يجب لقابلى النبوّة منهم أجور المبتلين بالتكذيب والأذى . الخامس : وكان لا يستحقّ المؤمنون ثواب المحسنين إلى أنفسهم بمجاهدة الشيطان عنها وتطهيرها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل ، وذلك لأنّ ايمانهم بهم يكون عن رغبة أو رهبة كما علمته لا عن حقيقة وإخلاص للَّه . السادس : ولا لزمت الأسماء معانيها . روى بنصب الأسماء على أن تكون هي المفعول ومعانيها الفاعل ، والمعنى أنّه لم تكن المعاني لازمة الأسماء فيمن سمّى بها ، مثلا من سمّى مؤمنا لا يكون معنى الإيمان الحقّ لازما لاسمه فيه . إذ كان إيمانه بلسانه فقط عن رغبة أو رهبة ، وكذلك من سمّى مسلما أو زاهدا بل من سمّى نبيّا أو رسولا لا يكون في الحقيقة كذلك لانقطاع النبوّة والرسالة عنه ، وفي نسخة الرضيّ - رحمه اللَّه - برفع الأسماء ، والمراد أنّها كانت تنفكّ عنها